ابن كثير
293
السيرة النبوية
حتى إذا زاغت ( 1 ) الشمس أمر بالقصواء فرحلت له ، فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال : " إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا . ألا كل شئ من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة ، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ( 2 ) كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل ، وربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضعه من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله . واتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف . وقد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله . وأنتم تسألون عنى ، فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت ونصحت وأديت . فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها ( 3 ) على الناس : اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات . ثم أذن ثم أقام ، فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا . ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات ، وجعل جبل المشاة ( 4 ) بين يديه واستقبل القبلة ، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص ، وأردف أسامة بن زيد خلفه ، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق ( 5 ) للقصواء الزمام حتى إن رأسها لتصيب مورك ( 6 )
--> ( 1 ) زاغت : مالت . ( 2 ) قيل اسمه آدم ، وقيل تمام . الروض الأنف 2 . ( 3 ) ينكتها : يقلبها ويرددها مشيرا إلى الناس وفى مسلم : إلى الناس . . ( 4 ) جبل المشاة : يروى بالحاء وبالجيم . ومعناه بالجيم الطريق . وبالحاء مجتمع المشاة . ( 5 ) شنق : ضيق . ( 6 ) المورك : الموضع الذي يجعل عليه الراكب رجله .